Aperçu des sections

  • بطاقة المقياس

    _ إعداد الأستاذ مجاهد زين العابدين

    _ أستاذ محاضر ب

    _ طبيعة المادة : وحدة أساسية

    _ على مستوى مدرج الكلية  رقم 7

    _ يوم الدراسة : كل يوم اثنين على الساعة 10:30 صباحا

    _ الحجم الساعي 1ساعة ونصف .

     


  • اهداف التعليم

    الأهداف التعليم :

    _ السعي إلى تعريف الطالب بأهم المذاهب و المدارس التي ولدت في ظلها مختلف المناهج التي ساهمت في صناعة القانون  .

    _ مساعدة الطالب على فهم القيمة المضافة التي يقدمها المنهج القانوني لمختلف المجالات ذات الصلة بالقانون .

    _ مســـاعـــدة الطالـــب علـــى تطــويـــــر مــلكاتـــه القــــانونيــــة و قـــدراتــــه المعــــرفيـــــة فــــي مـــجــــال فـــهــــم أصـــل المشكلــة القانونيــــة و تقــدير الإجابات المقدمة بشأنها ، و ذلك من خلال التعرف على مختلف العناصر و المكونات و الأسباب و المبررات التي أدت لنشأتها و الآلية و الأدوات المنهجية المبتكرة في سبيل تفسيرها و تقديم الحلول بشأنها   .

    _مساعدة الطالب على تنمية قدرات التحليل و التصنيف و البناء و التركيب القانوني لديه بوجه عام .


  • بطاقة التواصل

    _ على مستوى مدرج الكلية  رقم 7

    _ يوم الدراسة : كل يوم اثنين على الساعة 10:30 صباحا

    _ الحجم الساعي 1ساعة ونصف .

    _ عنوان البريد الالكتروني      gmail.com  zinezin82@    

    _ امكانية التواصل عبر البريد الالكتروني يوميا مع إمكانية الرد على الأسئلة بعد 48 ساعة من استلام البريد

    _ إمكانية التواجد على مستوى الجامعة أيام السبت و الاثنين و الخميس ، على مستوى المكتبة المركزية أو قاعة الأساتذة .


  • المكتسبات القبلية

  • البرنامج العام

    أولا : مفـــــهوم المناهــــــج

      تعريف المناهج     

      مناهج البحث العلمي بين النظرية و التطبيق 

     أهمية الاعتماد على المناهج في الدراسة القانونية بين اختيار المنهج الواحد أو التعدد     

    ثانيا : أهم مناهج المعتمدة في مجال العلوم القانونية

    1/ المنهج الاستدلالي

      تعريف المنهج الاستدلالي وخصائصه 

     خصائص المنهج الاستدلالي 

        مبادئ الاستدلال

           أدوات المنهج الاستدلالي

       أنواع الاستدلال

     تطبيقات المنهج الاستدلالي في مجال العلوم القانونية 

            الانتقادات الموجهة لإعمال المنهج الاستدلالي في مجال البحوث والدراسات القانونية

    2/ المنهج التجريبي

         مفهوم المنهج التجريبي 

            خطوات المنهج التجريبي

      مقومات المنهج التجريبي

       أنواع التجارب

    أنواع التجارب

    شروط التجريب الجيد والناجح  

      الإشكاليات و الصعوبات التي تعترض تطبيق المنهج التجريبي

      تقييم المنهج التجريبي في مجال الدراسات القانونية

    3/ المنهج التاريخي

      أ ـ أهداف إعمال المنهج التاريخي

      ب- أهمية المنهج التاريخي   

     ج _ تقييم المنهج التاريخي في العلوم القانونية  

    خاتمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتة

     

    •  

      قائمة المراجع و المصادر :.

      _احمد بدر ، أصول البحث العلمي و مناهجه ، المكتبة الأكاديمية ، مصر ، سنة 1998 .   

      - أنطوان مقدسي، مبادئ الفلسفة ، مشكلة المعرفة ، الجزء الثاني ، دمشق ، 1969  .

      _ بدوي عبد الرحمن ، مناهج البحث العلمي ، وكالة المطبوعات ، الكويت ،  الطبعة الثالثة ،  سنة 1977 .

      _عبد الفتاح محمد العيسوي ، عبد الرحمن محمد العيسوي ، مناهج البحث العلمي ، في الفكر الإسلامي و الفكر الحديث ، دار الراتب الجامعية ،مصر ، 1997  .

       _ عبد المنعم نعيمي ، تقنيات إعداد الأبحاث العلمية القانونية المطولة و المختصرة ، دار بلقيس للنشر ، ، الجزائر ، سنة 2021 .

      _ عمار بوحوش، محمد محمود الذيبات، مناهج البحث العلمي وطرق إعداد البحوث، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، الطبعة الثالثة، 2016

      _ عمار عوابدي، مناهج البحث العلمي وتطبيقاتها في ميدان العلوم القانونية والادارية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، الطبعة الثالثة، 1999  .

      _ سامي عريفج  و آخرون ، مناهج البحث العلمي و أساليبه ، ط1 ، دار مجدلاوي للنشر و التوزيع ، عمان ، الأردن ، سنة 1987  .

       _ صلاح الدين شروخ ، منجية البحث العلمي للجامعيين ، دار العلوم للنشر و التوزيع ، طبعة 2019 .

      _ محمد محمد قاسم ، المدخل إلى مناهج البحث العلمي ، دار النهضة العربية للطباعة و النشر ، بيروت ، الطبعة الأولى ، سنة 1999  .

      _ محمود قاسم ، المنطق الحديث و مناهج البحث ، القاهرة ، مكتبة الانجلو المصرية ، سنة 1979  .

      _ نعيم عطية ، الروابط بين القانون و الدولة و الفرد ، دار الكتاب العربي للطباعة و النشر ، القاهرة ، 1968.

       

       

      المراجع الالكترونية

      _ https://ebook.univeyes.com/177826                                 

       _ خنان أنور ،  إشكالية تطبيق مناهج البحث العلمي يف العلوم القانونية والإدارية ،  جملَّة الواحات للبحوث و الدراسات المجلد 14 العدد 3 ، سنة 2021.  _https://www.asjp.cerist.dz/en/downArticle/2/14/3/171596           

        _ https://books.google.com 

                            


       

       

       

  • نظرة عامة و شاملة لمحاضرات المقياس

    مقــــــــــــــــــــــدمـــــــــــــــــــــة

              يتجلى المنهج في تلك المجموعة من القواعد و الضوابط و المبادئ العقلية و الحسية التحليلية و التأملية المنظمة و المضبوطة المستقاة من مصادر متعددة و التي ييستعين بها  الباحث بغية الوصول إلى الكشف عن الحقائق الغائبة و المجهولة لدينا أو  من اجل البرهنة عليها لنا حين نكون عارفين بها و ذلك من أجل تقديم حلول " نظرية أو عملية " تصلح للاعتماد عليها و تقديمها للمجتمعات  أفرادا و مؤسسات حسب الحاجة أو المطلب بشكل مقبول و موثوق علميا و اجتماعيا و اقتصاديا .

        لذلك يعتبر المنهج قوام البحث العلمي في شتى المجالات و لا يمكن أن نتصور خلو أي موضوع أو تخصص من اعتماد منهج معين للوصول إلى الحقيقة .

       بعيدا عن الجدل الفقهي  و الفلسفي حول من يملك حق الأسبقية في ابتكار المناهج و تطوير أدواتها ، فان  لا أحد ينكر اتفاق هؤلاء  فيما بينهم حول ضرورة الاستعانة بالمناهج و الاجتماع علة جدواها و أهميتها في صناعة المعرفة و العلم و تقديم الأشياء و المعلومات و المعارف والحلول الممكنة لمختلف الظواهر  بشكل منظم و مضبوط و متاح للكافة ، خاصة في ظل التحولات التي رافقتا الثورة التكنولوجية و الرقمنة و ما استتبعها من ركون للدول نحو تبني مفهوم مجتمع المعرفة .

      حـــــقا إنها حـــــالة لا تقبل النقاش اليوم ، بل انه صار من غير المعقول التسليم بالاعتراف لأي علم أو تخصص علمي بهذه الصفة أي " العلمية " خارج دائرة المنهج ، فالمنهج قوام العلم و بدايته و استمرار وجوده المادي و الفلسفي ، و هو السبيل الذي يحرك في الباحث العقل و يدفعه إلى تقديم الحلول المنتظرة بشأن الظاهرة مهما تغيرت الظروف و الأحوال .

       لذلك ليس من الغريب اليوم أن تجد باحثا في مجال العلوم القانونية يتحدث عن المنهج المتبع في البحث أو التشريع أو القضاء أو الدراسة الأكاديمية دون إتباعه لمنهج محدد .

      و نظـــرا  لكـــون الظـــواهر في تجـــــــدد مستــــدام ولان التحول و التغير سمة الحياة فان توقعات بشأن تعرض مختلف العلوم المتصلة بالقانون لنفس المتغير تدفعنا إلى استحضار أي منهج لتعرض أفضل للظاهرة و التعامل مع تلك المتغيرات و المستجدات و التحولات بشكل منظم ، حيث يستطيع من خلالها الباحث الإجابة عن المطالب و الحاجيات بشكل علمي و صحيح أيضا .

    و لنضرب مثالا على ذلك ، فان موضوعات كدور الوسائل العلمية في إثبات النسب و التعامل في الأجنة الفائضة عن الحاجة و عمليات تغيير الجنس و الاستنساخ البشري و الجرائم الالكترونية و الحماية الإجرائية و الموضوعية للبيئة  أو التي لا تزال محل تطور مستمر على غرار  الرقمنة و ما أفرزته من تحديات و تحولات عالمية .

      هي مواضيع و إن كانت قد أصبحت ترتبط اليوم بتطور الدول و تعبر عن مظاهر الرخاء و النمو فيها إلا أنها في المقابل أنتجت من الناحية التشريعية أوضاعا جديدة جعلت الفقهاء و رجال الاختصاص القانوني يتساءلون حول مدى قدرة المبادئ المستقر عليها ضمن القوالب التقليدية للقانون المدني و الجزائي مثلا  من استيعاب هذه الوضعيات المستحدثة

       هنا فقط تظهر أهمية المناهج كأدوات قادرة على تقديم الإجابات الممكنة من الأحداث المستجدة و كآلية تعمل على إعادة التوازن المفقود أحيانا بين العلم و الظاهرة و بين القانون و الوقائع و بين الأخلاقيات العلمية و جدوى الحلول العلمية النزيهة و الشفافة و الصادقة   .

    وعليه لا مناص من اللجوء إلى إي منهج يقدم الإضافة المنشودة للأمم  و يسهم في بلوغها مرحلة من الرقي العلمي و في مجال دراستنا التطور القانوني ، القادر على التفاعل مع المستجدات بشكل متجدد و مستدام و مجدي  ، سواء كان المعول عليه العقل أو العودة إلى حضارات الأمم و الاقتداء و الاهتداء بتجاربها التاريخية أو إعمال المقاربة التجريبية المخبرية أو تقديم الحلول عن طريق صناعة التشريعات وتفسير القواعد و النصوص و الاجتهاد في بيانها أو دراستها من خلال المقارنة فيما بينها و العمل على تدارك العوز و القصور الذي يعتري قواعدها و إحكامها و العمل غلى تداركها، ولا يهم بعدها البحث عن مدى التزام الباحث باعتماد منهج أو أكثر  أو توفيقه في اختياره لأفضلها ملائمة للظاهرة ، بل المهم هو التساؤل حول مدى التمكين الذي يحققه المنهج للوصل إلى الحقيقة  .

    تــــعـــــــريف المنهـــــــــــــج

    المنهج هو مجموعة من القواعد التي يضعها الباحث بقصد الوصول الى الحقيقة في العلم ، أو هو  الطريقة التي يتبعها الباحث في دراسته للمشكلة لاكتشاف الحقيقة .

     بشكل عام فان المنهج العلمي يمكن وصفه بأنه " فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون بها جاهلين و إما من أجل البرهنة عليها حين نكون بها عارفين " [1]

     و الواقع أن المنهج على هذا النحو يحمل في مضمونه معنيين ، الأول واسع و الأخر ضيق ، فالمعنى الواسع يضم المنهجية في مفهوميها الشكلي و الإجرائي ، حيث يتجلى المفهوم الشكلي في الشكل أو الصورة النهائية للبحث أو الدراسة القانونية .

      أما المدلول الإجرائي أو العملي فهو يتعلق بدراسة مختلف الإجراءات العملية التي تساعد الباحث في عملية جمع المعلومات من المجتمع أو العينة المراد دراستها هن طريق الاستبيانات أو دراسات العينة وغيرها .

    أما المدلول الضيق للمنهج فيقصد به المعنى الموضوعي و الذي يتجلى في طريقة التفكير التي يعتمد عليها الباحث أثناء القيام بعملية البحث ، من خلال التركيز على إتباع مجموعة الضوابط و الشروط و المبادئ التي تتحكم في سير العقل  .

    و المناهج  على هذا النحو أو طرق البحث عن الحقيقة تختلف باختلاف المواضيع ، لهذا توجد عدة أنواع من المناهج العلمية الموصلة للحقيقة ، على غرار المناهج المتبعة في مجال البحث القانوني و  التي تختلف عن غيرها من المناهج المتبعة في مجالات العلوم الاقتصادية أو الاجتماعية ....الخ .

    مناهج البحث العلمي بين النظرية و التطبيق :

        من المستقر عليه في علم المناهج بأنه هناك المنهج العلمي المعاصر الذي يهدف إلى توسيع نطاق المعرفة و التعرف على الجوانب المجهولة فيها ، و في بعض الأحيان نطلق عليه اسم النظرية العلمية قاصدين بذلك المنهج العلمي الذي يساعد في صياغة النظريات و يساهم في إثراء ما هو موجود من أفكار و معارف و مكتسبات سابقة غير مفهومة حتى تتضح الصورة في أذهاننا كباحثين ، بحيث تصبح الأشياء مدركة بشكل علمي قابل للتفسير و الاستيعاب و الفهم الصحيح ، لذلك فان الغاية من هذا المنهج  هي الفهم و الكشف عن الحقيقة العلمية الأصلية .

       و في المقابل من ذلك يوجد نوع آخر من المناهج ، و هو المنهج العلمي المطبق  القائم على تطبيق النظرية العلمية المشار إليها سابقا من أجل تقديم  الحلول أو الإجابات  المناسبة لها .[2]

        لهذا فان المنهجية العلمية التي تدرس في الجامعات و المعاهد و مراكز البحث كنظريات ، ليست مجرد أنشطة علمية نمطية و غير منتجة واقعا ، بل هي عملية قابلة للتحقيق و التنفيذ ولا يهم بعدها إن تمت في بشكل مشروع فردي و شخصي أو مشترك .

    لذلك يسير التوجه العالمي الحديث إلى اعتماد آليات  تقديم العروض المعرفية و الدراسات البحثية بأشكال و طرق اتفاقية أو تعاقدية أو لائحية  تقدم من خلالها الجامعات و المراكز البحثية صورة جديدة للتآلف بين المعرفة النظرية و جدواها العملية بالنسبة للدول و المؤسسات و المجتمعات على حد سواء .

    أهمية الاعتماد على المناهج في الدراسة القانونية بين اختيار المنهج الواحد أو التعدد :

       لا يمكـــــــن من الناحيــــة المنطقية التعويــــل على منهـــــج واحد لتقــديم إجابات حول ظاهرة أو ظواهر و وقائع متعددة و مختلفة المصدر و الأثر و المدى و الأطراف والظروف ...الخ .[3]

       فإذا كـــان المفكــــــرون و الفلاسفة في القرون الماضية قد رأوا في  الاعتماد على منهج الاستدلال المنطقي الصوري ، أداة لتقديم حلول و إجابات حقيقية لكل التساؤلات التي ظلت ترتبط بحياة المجتمعات آنذاك ، فان الأخذ بهذا المبدأ يعتريه الكثير من الغموض ، خاصة و أن كثير من الظواهر لا تقبل التفسير العقلي المنطقي دوما .

         و هو السبب الذي عجل بمناداة كثير من الفلاسفة و المفكرين بضرورة إحلال البرهان الرياضي  مثلا كأداة لتفسير الظواهر و الأحداث التي تعترض السير الطبيعي لحياة الإنسان .

        حيث  في هذا الصدد كان يرى كل من نيوتن و ديكارت بان المعادلات الرياضية هي الأداة الوحيدة التي يملك من خلالها الفلاسفة و العلماء تقديم حلول لمجتمعاتهم بشكل علمي و منطقي حقيق  .

     لكن أمام القصور الذي ظل يعتري إعمال هذه المناهج ، لم يجد الفلاسفة والباحثين من بد لمجارات المتغيرات التي أضحت السمة المهيمنة على حياة تلك المجتمعات عن طريق اللجوء إلى طريق المعاينة الملاحظة لإثبات صحة و حقيقة الظواهر و تفسيرها بشكل مفهوم علميا .

    حيث تجاوز الباحثون مرحلة الجمود و الصلابة و العقلانية التي ظلت تهيمن على المشهد العلمي إلى حالة جديدة تقوم على الإثبات بالملاحظة و التجريب اليدوي للظواهر ، و بشكل متعمد و مقصود  من أجل اقتراب علمي أفضل ، يراعى فيه المتغير الذي يتحكم فيه الباحث كالظروف و الشروط التي تسمح بإجراء التجربة  و المتغيرات التابعة لها لإثبات علاقة السببية بين الظواهر و المتغيرات المختلفة و انتهاء بصياغة قوانين جزئية تتعلق بها .

           لكن و نظرا لعدم قدرة هذا المنهج من إعطاء تفسيرات لظواهر و مواضيع تلعب فيها الحالات النفسية والشعورية و الظروف الاجتماعية التي تعيشها العينة دورا هاما في التأثير على صحة و حقيقة النتائج  وجد الباحثون أنفسهم أمام تحد جديد يفرض عليهم اللجوء إلى مناهج أخرى تحقق الملائمة الصحيحة للدراسة مع الوقائع و الظواهر و العينات بشكل مأمون و موثوق علميا .

     فظهر حينها المنهج التاريخي و المنهج المقارن و المنهج الوصفي .......الخ  ، كمناهج جديدة تقدم الإضافة اللازمة حيث يستطيع من خلالها أهل الاختصاص تقديم الإجابات الممكنة للظاهرة بشكل مستفيض و بقراءات كثيرة و من زوايا متعددة .[4]

      و نتيجة لكل ما بيناه سالفا  ، يتضح مدى تأثير الوسائل و الغايات في اختيار المناهج المناسبة للدراسة حسب الظروف و الأحوال ، و هو ما يفسر منطقيا أيضا بأنه رد فعل طبيعي للمنهج من الظاهرة و دفاع منه على خصوصياته الكامنة فيه .

       و بالتالي يمكن القول بأن لا مانع من اعتماد الباحث على أكثر من منهج من أجل الوصول إلى الحقيقة بشكل موضوعي و آمن ، سواء كان ذلك من اجل الكشف عن حقيقة جديدة أو البرهنة عن حقيقة كانت موجودة سلفا إلا أنها لم تكن مثبتة بالشكل الصحيح نتيجة نقص أو خطأ في فهم  تلك الظاهرة أو لخطأ في اختيار الفرض الصحيح المتعلق بها ، أو بسب عدم دقة الملاحظة فيها أو نتيجة النقص الذي شاب الدقة في الاستقراء و الاستنتاج أيضا أو عدم تمكن الباحث أو العالم من النقد الصحيح للمعطيات الزمنية و المكانية أو توصيف الحقائق توصيفا صحيحا   .

     

    المنهــــــج الاستدلالــــــــــي

        يصنف المنهج الاستدلالي كأحد أهم المناهج البحثية ، حيث يعمل الباحث فيه على استثارة عقله واستنطاقه عن طريق إعمال التفكير المجرد الخالي من الاعتماد على أية أداة أو وسيلة مادية خارجية مؤثــــــــرة من أجل جعله قادرا على تقديم معارف جديدة من خلال الاستناد إلى المعارف السابقة  .

        لذلك يعتبر التفكير العقلي المجرد المبني على اعتماد البراهين العقلية و المسلمات كأداة للاستنباط و الاستنتاج العقلي الأداة الرئيسة في اعتماد المنهج الاستدلالي كأداة البحث القانوني في هذا الإطار  باعتباره يقدم إجابات منطقية و عقلية منظمة بشأن الظاهرة المراد البحث فيها دون حاجة إلى إثبات صحتها بالتجربة .[5]

      بل إن الاعتبار التاريخي لوحده كافي لان يجعلنا نصنف هذا المنهج ضمن المناهج العلمية الأساسية  فهــــــــــــــو من حيث النشأة التاريخية قديم ترجع جذوره إلى العهد اليوناني ، ليبلوره "ديكارت"كمنهج علمي قائم بذاته استخدم في البداية في مجالات الفلسفة والرياضيات ليستهلك بعدها كل المواضيع والمجالات البحثية الأخرى  .

    أما في مجال دراستنا فان تساؤلات جمة قد تطرح بشأن مدى ملائمة هذا المنهج مع موضوعات العلوم القانونية  ؟

        قبل الإجابة عن هذا التساؤل، لا بد لنا من معرفة المقصود بالمنهج الاستدلالي ثم بيان خصائصه و أدواته ، و من ثم الانتقال بعدها إلى التعــــــــــرف أكثر على مدى إمكانية تطبيقه ضمن مجال العلوم القانونية ، لننهي إطار الدراسة باستعراض  مختلف الإشكاليات التي تعترض إنفاذه  .

    أولا: تعريف المنهج الاستدلالي وخصائصه

     يمكن تعريف المنهج الاستدلالي بأنه :" المنهج الذي يقارب الحقيقة بالاستدلال من حيث كون هذا الأخير عملية عقلية ننتقل فيها من قضية أو مجموعة قضايا إلى قضية أخرى جديدة تستخلص منها مباشرة دون الحاجة لإخضاعها إلى التجربة ، أي أنه عملية استنتاج واستقراء عقلي يقوم على فكرة الانتقال من أشياء مسلم بصحتها إلى أشياء أخرى ناتجة عنها بالضرورة وتكون جديدة بالنسبة للقضايا الأصلية ".[6]

    كما يمكن أن يعرف  أيضا على أنه: "عملية عقلية يتم الانتقال فيها من قضية  أو من عدة قضايا أخرى تنتج وتستخلص منها بالضرورة دون اللجوء إلى التجربة ".

         يتضح من خلال هذه التعريفات أن العامل المشترك فيما بينها يتمثل في الاعتراف للمنهج الاستدلالي بدوره في استثارة " العقل " و تحريكه بشكل منظم  و  سليم من أجل إثبات صحة النتائج المتوصل إليها انطلاقا من أشياء مسلم بصحتها  دون الحاجة إلى إثباتها بالتجربة .

     ثانيا : خصائص المنهج الاستدلالي 

      1- هو منهج عقلي يعتمد على الصرامة و المنطق في التعامل مع الظواهر  ، أي أنه يعمل على إثبات صحة الأشياء و الحقائق و الظواهر عن طريق المنطق العقلي  .

     2- أنه منهج تحليلي تفسيري ، يعتمد على توظيف العقل لتحليل الظواهر و تفسيرها  .

       3- هو منهج استنباطي ينتقل من العام إلى الخاص ، حيث أن الباحث يحاول من خلاله إثبات أن ما يصدق على الكل يصدق على الجزء أيضا . 

    ثالثا: مبادئ الاستدلال

    البديهية : هي عبارة عن قضايا واضحة و بينة بذاتها و هي لا تحتاج لبراهين تثبت صحتها ، أي أنها صادقة لا تحتاج إلى إثبات و بيان .

    مثال : الكل أكبر من الجزء ، من يملك الكل يملك الجزء .

    المصادرة أو المسلمة أو الموضوعة : هي قضية تركيبية يضعها العقل ويسلم بها دون الحاجة إلى برهان يؤيدها  و ذلك بسبب حاجته إليها في البرهنة ، فهي إنشاء عقلي خاص وصريح ليس بنفس مرتبة اليقين الموجود في البديهية إلا انه يصدق النتائج و يسلم بها حتى في حال نقصان اليقين .[7]

    مثال : الكل ينشد السعادة _______كثير من المجتمعات تبحث عن الطمأنينة .

      التعريفات: مجموع الصفات التي يتكون منها مفهوم الشيء بما يجعله مميزا عما سواه .

     ويشترط لصحة التعريف :

    1- أن يتضمن تعبيرا واضحا لماهية الشيء كبيان جنسه أو نوعه .

    2- أن يكون جامعا مانعا .

    3-  الاحتراز في تعريف الشيء بما لا يعرف إلا به  .

    4- تجنب استعمال ألفاظ غريبة و غير مفهومة في صياغة التعريف  .

    رابعا: أدوات المنهج الاستدلالي

    يقصد بأدوات المنهج الاستدلالي مختلف الوسائل والأدوات التي يستعين بها الباحث لإثبات صحة الفروض العقلية والنتائج المرتبطة بها داخل العقل وبشكل مجرد من التجربة .[8]

    وهي الأدوات التي تتجلى في :

    1- القيــــــاس : وهو قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها قول آخر و هو ما يصطلح عليه بتحصيل حاصل كونه لا يأتي بالجديد .

    2-التجــــــريب العقـــلــــــي وهو قيام الباحث باستخراج النتائج المتعلقة بكل الفروض والتحقيقات المتعلقة بظاهرة ما والتي قام بتبنيها وتصورها من أجل التأكد من إمكانية تحققها الفعلي دون تجربة فعلية .

    التركيــــــب: عملية عقلية تبدأ من قضية صحيحة معلومة بقصد استخراج النتائج، ومعرفة مدى صحتها .

     

    خـــــلاصــــــــــــــــــة :

    إن الملاحظ على أدوات الاستدلال هو أنها غير مكلفة ماديا و مقتصدة للجهد العضلي و الأموال وذلك لان كل العمليات تتم في داخل الذهن ولا تحتاج إلى مخابر و ما يتتبعها من  نفقات بحث ومعدات وتقنيات متطورة ، كما أنها قد تسمح للباحث من أن يفترض فروضا جريئة قد لا يسعه افتراضها أو التفكير فيها واقعا بل وقد يتجاوز به حد الافتراض إعمال الخيال والعلم لإنشاء توقعات أو سيناريوهات واحتمالات مختلفة تتعلق بإمكانية تغير الأحداث أو تطويرها استباقا أو احتياطيا .

     لذلك يقول الفيلسوف رينيه ديكارت :" على العموم إنني استطيع أن استغني عن إجراء أي تجربة واقعية لأنني استطيع أن اركب في ذهني كل العمليات الممكنة وغير الممكنة " . 

     

    خامسا : أنواع الاستدلال

    الاستدلال نوعان ، إما استنتاج أو استقراء .

    أولا _  الاستنتاج : ويقصد به الحقيقة العلمية المتوصل إليها من قبل الباحث ، بمعنى آخر فان الاستنتاج هو لزوم النتيجة عن المقدمات والفروض التي قدمها الباحث لأجل الوصول إلى الحقيقة . 

    ثانيا _  الاستقراء العقلي : هو الحكم على الكلي بما يوجد في بعض أجزائه .

    سادسا: تطبيقات المنهج الاستدلالي في مجال العلوم القانونية

    إن خاصية التميز التي تجعل من المنهج الاستدلالي منهجا عقليا صارما في نتائجه وفاعلا ومنتجا في فرضياته لا يمكن أن تحول دون ربط التميز بخاصيات أخرى على غرار الثبات و إطلاق الأشياء والحقائق والظواهر ، لأن المنطق بقدر ما يساهم في تقديم صورة أكثر وضوحا على أحقية العقل في أن يحظى بالسبق في بيان حقيقة الظواهر بدون حاجة لبذل مجهود إضافي في المخابر و بتكاليف أكثر فانه في المقابل من ذلك يساهم في قبول عدم التعارض بين المسلم به و البديهي و النتائج و بين تأثير الفكر على الواقع "المفترض " ،  و الذي يمكن إثبات صحة أحداثه من خلال العقل المجرد ليس إلا .[9]

        ذلكم هو المنهج الاستدلالي الذي يصلح للتطبيق حيثما كان الوضع مناسبا و الموضوع ملائما بخصائصه التي ذكرنا و أدواته التي بينا .

         في مجال دراستنا قد يطرح التساؤل التالي : إلى أي مدى يصلح المنهج الاستدلالي كأداة تحقق الكفاية في بمجال الدراسات المرتبطة بالعلوم القانونية ؟

          بداية لا بد من الإشارة إلى أن من بين الأسباب التي دفعت الفقهاء والعلماء إلى تبني المنهج الاستدلالي كأداة متميزة و منتجة في حقل  الدراسات و البحوث القانونية هو الحاجة إلى أداة تحٌقق الملائمة العلمية بالشكل الذي يعكس حقيقة الانتقال العلمي من مرحلة التفسير الميتافيزيقي أو الديني أو الطبيعي للظواهر إلى مرحلة أكثر نضوجا يعتمد فيها الباحث على إحلال التفكير المنهجي العقلي _الذي يعتمد على التفسير المنطقي و الاستنتاج الذهني _ محل التحليل البدائي العبثي و الغير منظم للظواهر و الأحداث  .

       لذلك نجـــــد بان سمات مثــــــل الثبات و التجـــــــريد ، و التي تشكل الخصائص  المهيمنة على مجال النشاط القانوني بمواضيعه  المختلفة قبل القرن السابع عشر ظلت تقدم هذا المنهج في صورة المنهج الأكثر حضورا في مختلف الدراسات التي تعنى بالظاهرة القانونية ، خاصة إبان مرحلة التداخل بين القانون والفلسفة التأملية ، حيث  كانت النظرة السائدة حينها للقانون نظرة جامدة يهيمن عليها التحليل الذهني و العقلي للظواهر دون سواه .

    وعليه لا غرابة إذا قلنا بأن  استعمال  المنهج الاستدلالي في مواضيع مثل فلسفة القانون و علم الاجتماع القانوني و نظرية الجريمة و علم العقاب ...الخ كان كافيا إلى حد ما من حيث القيمة التي أضافها هذا المنهج لمختلف الدراسات القانونية .

     ذلك أن جوهر التفكير الذي يبنى عليه المنطق القانوني ما هو إلا شكل أو فرع من فروع المنطق الصوري ، و مازال هذا المنهج مفيدا ومنتجا في زماننا هذا و في مجالات متعددة كما هو الحال بالنسبة لموضوع تفسير وتركيب المبادئ و القواعد و الأحكام القانونية المجردة أو في مجال سريان الأحكام القانونية .[10]

       بل إن تلك الأهمية تجاوزت الاهتمام القانوني إلى الشأن القضائي بدخول المبدأ معترك البحث في جوهر العمل القانوني والقضائي وكل ما له علاقة بهذا المجال الحيوي على غرار علم القرائن و الأدلة المرتبطة بها ، و أيضا التدقيق في تصريحات الشهود ومقابلتها ومقارنتها بالوقائع و في موضوع تكوين الاقتناع الشخصي للقاضي بشأن الجرائم المعروضة عليه  .

       كما أنه في مجال إعداد البحوث والمذكرات القانونية لا يمكن أن نتصور تقديم الباحث لنتائج قريبة من الفرضيات التي قدمها خارج إطار الالتزام  باحترام قواعد التسلسل المنطقي للأفكار، كالانتقال من القواعد العامة إلى الاستثناءات و من المسائل الرئيسية إلى المسائل الفرعية ،  و التنويع في دراسة و عرض المسائل القانونية و تقديم الإجابات عنها بشكل عقلاني أيضا  .

    سابعا :الانتقادات الموجهة لإعمال المنهج الاستدلالي في مجال البحوث والدراسات القانونية

      في مقابل المزايا و الإضافات التي قدمها رواد المنهج الاستدلالي لميدان العلوم القانونية ، فان ذلك لم يشفع لهم في مواجهة الانتقادات التي أراد من خلالها أصحابها تقديم المعرفة العلمية في المجال القانوني بشكل ملموس و ظاهر للعيان و بصورة أكثر واقعية .

     في نظرهم ليست كل الظواهر تستحق الإثبات و الاستنتاج العقلي المجرد بل إن بعضها يقتضي البيان بالعيان و الإثبات بالتجربة المدركة بالعين المجردة أو باستعمال الأدوات التي تقوم مقامها ، و التي لا يستطيع العقل المجرد إدراكها باستعمال التفكير لوحده دون اقتراب عميق و منظور .

     و أمام القصور الذي اعترى هذا  المنهج  ، اتجهت اغلب التشريعات و الأنظمة القانونية  في نهاية القرن التاسع عشر ميلادي خاصة  المرحلة التي تلت نضج العقلية العلمية الموضوعية ، إلى المناداة بضرورة تبني طريق المنهج التجريبي كأداة تسهم في الفهم و التحليل الصحيح للظواهر علميا بدل البرهان العقلي الجامد  .

     

     

    2. المنهج التجريبي:

            نظرا للعيوب التي رافقت إعمال المنهج الاستدلالي كما بيناه سابقا و نتيجة لحاجة المجتمعات لفهم الظواهر فهما واضحا و شاملا  ، اتجه كثير من الفقهاء و الباحثين في مجال العلوم القانونية إلى الاعتماد على المنهج التجريبي كوسيلة يمكنها المساهمة في تقديم الظاهرة و فهمها بشكل آخر ، خاصة من حيث اعتبارها حدث يخضع في عناصره إلى آليات التطور و التحول و التغير و التكيف بشكل يصعب استنتاجه بالعقل دوما .

    وهي الحالة التي لا يمكن تصور بلوغها من قبل الباحث بشكل يسير و هين ، لأن كثير من الشواهد التاريخية أثبت فشل كثير من الدراسات و البحوث نتيجة طبيعة التعقيد التي تهيمن على الظاهرة في حد ذاتها دون إهمال القيمة المضافة للوسائل و المعدات و الظروف المحيطة بالعينات المدروسة خاصة في مجال الدراسات الإنسانية و الاجتماعية كما سنأتي على بيانه لاحقا  .

      لكن في مقابل حدة المعاناة واستمرارها ، وبقدر ما يعتبر ذلك عاملا سلبيا مؤثرا في التوازن النفسي و الوظيفي للباحث إلا أنه  يعد ضروري لتطوير الإحساس لديه بقيمة المشكلة العلمية و يدفعه إلى تطوير ملكاته و رصيده العلمي و المعرفي و يجعله قادرا  على قبول التحديات المرتبطة بمجال البحث والدراسة ، وهو في حد ذاته معيارا دالا على أهمية وقيمة التجارب البحثية وقدرتها على تقديم القيمة المضافة للباحث و للدراسات في آن واحد  .

    هذا ولكون التجربة تتجلى في أنواع وأوصاف حسب الحاجة والغاية المرجوة منها فهي وان كانت على الأغلب تظهر في صورة التجربة العلمية المبنية على منهج المعاينة المدركة عيانا وبشكل ملموس كما بيناه سابقا إلا أنها قد تتخذ صورا أخرى على غرار التجربة الأخلاقية و التجربة الاجتماعية و غيرها من التجارب ، و أما منطقيا فهي ملاحظة حادث صنعي للتأكد من صحة الافتراض المرتبط بها  .

    و من اجل تقديم صورة واضحة عن المنهج التجريبي، حري بنا أن نوجه دراستنا إلى بيان مفهومه، بتعريفه وتحديد خطواته، والتعرف أكثر على مقوماته، والطرق و الأدوات التي تستعمل في التجريب العلمي، لنعرج بعدها إلى تحديد مجالات تطبيقه و الوقوف على مواطن القصور و الضعف التي تعتري إنفاذه في مجال العلوم القانونية  .

    أولا - مفهوم المنهج التجريبي[11]

            إن مقتضيات الدراسة المنهجية تقتضي منا كباحثين و دارسين  للمنهج التجريبي بيانه من خلال تعريفه  .

    فقد ذهب جانب من الفقه إلى تعريف المنهج التجريبي على  أنه :" كل تغيير متعمد ومضبوط للشروط المحددة للواقعة أو الظاهرة التي تكون موضوعا للدراسة ، و ملاحظة ما ينتج عن هذا التغيير من آثار قي هذا الواقع و الظاهرة "  ، أو هو :" المنهج الذي يعتمد على التحاور بين العقل و الحواس أو بين اليد والدماغ و بالمصطلحات الميثودولوجية لفلسفة العلم نقول بين التجريب و التنظير أو بين الملاحظة والفرض " .[12]

    كما ذهب جانب آخر من الفقه إلى تعريف المنهج بالنظر إلى اعتباره : " الطريق المستخدم حين نبدأ من وقائع خارجة عن العقل، سواء كانت خارجة عن النفس أو باطنية فيها لنفسرها بالتجربة، دون الاعتماد على مبادئ وقواعد المنطق الصورية ".[13]

            من خلال هذه التعريفات يظهر جليا بأن أساس المنهج التجريبي هو الاحتكام إلى استشهاد الوقائع عن طريق الحواس والتجارب دون الاعتماد على صورية العقل، ولعل من أهم الصور التي يتجلى فيها إعمال هذا المنهج هو قانون المتغير الوحيد .

            والذي مفاده أنه إذا كان هناك موقفان متشبهان تماما من جميع النواحي، ثم أضيف عنصر معين إلى أحد الموقفين دون الآخر، فإن أي اختلاف يظهر بعد ذلك بين الموقفين يعزى إلى وجود هذا العنصر المضاف، وأما في حالة تشابه الموقفين، وحذف عنصر معين من أحدهما دون الآخر، فإن أي اختلاف يظهر بين الموقفين يعزى إلى غياب ذلك العنصر .

    ويسمى المتغير الذي يتحكم به عن قصد في التجربة بطريقة محددة سلفا و منظمة عمليا بالمتغير المستقل أو التجريبي، أما نوع السلوك أو الفعل الناتج عن المتغير المستقل فيسمى بالمتغير التابع أو المتغير المعتمد ، هذا و يمكن أن تشمل التجربة أكثر من متغير مستقل، وأكثر من متغير تابع حسب طبيعة البحث و مجاله  [14].

    ثانيا: خطوات المنهج التجريبي

     إن مسألة تقديم الباحث لصورة  و نتائج مقبولة تتلاءم و الغاية المرجوة من بحثه للواقعة أو الظاهرة  أمر مرهون  بالتوظيف الصحيح و الملائم للمنهج التجريبي و كذا للخطوات المتبعة حين الاستعانة به.

    و هي الخطوات التي تنقسم إلى خطوات شاملة أو مختصرة  .

    أ/ الخطوات الشاملة للبحث و الدراسة التجريبية :

     من أهم الخطوات الشاملة المعتمدة في البحث التجريبي :

    ·       التعرف على مشكلة البحث وتحديد معالمها .

    ·       صياغة الفرضية أو الفرضيات واستنباط ما  يترتب  عنها .

    ·       وضع تصميم تجريبي يحتوي على جميع النتائج الممكنة و بيان  علاقتها يبعضها  ، و هو الإجراء الذي يتطلب من الباحث أن يقوم بالخطوات التالية :

    _ اختيار العينة المستهدفة بدقة  " مجتمع عربي " ، " مجتمع غربي " ، "جنوح الأحداث في الجزائر " ...الخ  .

    _ تصنيف العينات ضمن مجموعات متجانسة .

    _ تحديد العوامل الخارجية الغير قابلة للتجريب و ضبطها .

    _ تحديد الوسائل والمتطلبات الخاصة بقياس نتائج التجربة والتأكد من صحتها .

    _ القيام باختبارات أولية استطلاعية لتحديد الاختلال الفني و الارتياب الذي قد يعتري الوسائل و الأدوات الفنية أو التصميم التجريبي في حد ذاته .

    _ تحديد الإطار المكاني و الزمني لتنفيذ التجربة وتاريخ بدايتها و الانتهاء منها .

    ·       مرحلة التنفيذ الفعلي للتجربة المطلوبة .

    ·       تنظيم و تقييم القراءات و النتائج المتوصل إليها بشكل موضوعي وغير منحاز .

    ·       تطبيق اختبار التثبت لتحديد  مصداقية النتائج أو الدراسة .

    ب / الخطوات المختصرة  للبحث والدراسة التجريبية

    وهي الخطوات التي صنفها الفقيه عبد الرحمن بدوي صاحب كتاب مناهج البحث العلمي في خطوات ثلاث :

     أ : مرحلة التوصيف ثم التعريف ثم التصنيف

    وفيها يقوم الباحث بملاحظة الظاهرة بشكل مباشر عن طريق الحواس أو بالاستعانة بالآلة التي تعتبر امتدادا لها كأداة تمنح الباحث فرصة الاقتراب أكثر من الظاهرة أو الوقائع و التعرف عليها بدقة متناهية على خلاف الملاحظة البسيطة  .

    و عليه فان هذه المرحلة هي مرحلة تعريف و تصنيف و توصيف للظاهرة و ليست مرحلة تفسير أو تجريب  .

     

    ب :  التحليل

    في هذه المرحلة يتم تحليل الأصناف المدروسة بعينات مماثلة لها ، وذلك من أجل بيان طبيعة العلاقة التي تربطها فيما بينها وبين الأصناف المشابهة و استخراج القوانين  التي تنظم سيرها ، و بالتبعية وضع القوانين التي تحكم الظاهرة ككل .

            ج. التركيب:

            في هذه الخطوة يتولى الباحث صياغة القوانين الكلية التي تحكم الظاهرة من خلال تركيب القوانين الجزئية التي ترتبط بها تمهيدا لوضع إطار قانوني كلي عام يصلح لأن تستخلص منه القوانين الفرعية   .[15]

    مــلاحـظــــــــــــة : في هذه المرحلة يظهر جليا مدى التداخل بين المنهج التجريبي والمنهج الاستدلالي ، حيث إذا كان دور الباحث في المنهج التجريبي يقوم على وضع القوانين الجزئية  فان الاستدلال هو الأداة و الوسيلة التي تمكن من صياغة المبادئ العامة والقواعد الكلية التي تحكم الظاهرة .

    ثالثا: مقومات المنهج التجريبي

            للمنهج التجريبي ثلاث مقومات: هي الملاحظة، والفرضية، والتجربة.

    أ‌.       الملاحظة

    ب‌.  الفرضية

    ت‌.  التجربة

    رابعا: أنواع التجارب

            يتم التجريب بناء على تصميم مسبق و بتصميمات متعددة ومتباينة يتمتع كل منها بمجموعة من المزايا و الخصائص التي تميزه عن غيره ، بسبب خاصية التأثير التي تحققها المتغيرات المؤثرة في المتغير التابع  ، وهي التصميمات التي تعتمد على أساليب التجريب ضمن المجموعة الواحدة ، أو عن طريق التجريب على المجموعات المتكافئة ، أو بطريقة تدوير المجموعات أو ما يصطلح عليه عند بعض الفقه بالطرق التبادلية .

    1.   طرق المجموعة الواحدة:

    تطبق هذه الطرق على مجموعة واحدة كما هو الحال بالنسبة للتجارب المركزة على البحث في مستوى تحصيل طلاب قسم دراسي معين في الظروف العادية ، من خلال مقارنتهم بتحصيلهم في ظل ظرف آخر كما هو الحال في ظل جائحة كورونا ، وهي التجربة  التي تقتضي إتباع الإجراءات الآتية :

    أ‌)       اختبار قبلي للمجموعة (قبل إدخال المتغير المستقل).

    ب‌)  استخدام المتغير المستقل تبعا لمخطط الباحث.

            ج) اختبار بعدي للمتغير التابع لمعرفة مدى تأثير التابع المستقل.

            د) حساب الفرق بين القياسين القبلي و التابع ، ثم اختبار دلالة هذا الفرق إحصائيا أو كميا أو نوعيا .[16]

     

    ملاحظـــــــــــة:

            يمكن وضع تصميم آخر يستخدم المجموعة الواحدة لكي تمر بحالتين إحداهما تضبط الأخرى[17].

    2.   طرق المجموعات المتكافئة:

            وأبسط هذه الطرق تصميم التجربة بأخذ مجموعتين، واحدة ضابطة والأخرى تجريبية،  تتكافئان في المعطيات و العناصر  قبل التجربة  و من ثم دراستهما من خلال المتغيرات التي تعترضهما و قياس التكافؤ و التناسب فيما بينها .

    3.   طرق تدوير المجموعات:

            تعتمد هذه الطريقة على نظام تدوير الإجراءات أو المجموعات المحددة في التجربة، فإن طبقت على مجموعة واحدة  فإن ذلك يستلزم تغيير وقت تتابع الوحدات الضابطة والتجريبية ففي الدورة الأولى يبدأ بالطريقة الضابطة ثم يلجأ إلى اعتماد الطريقة  التجريبية، وفي الثانية يبدأ بالطريقة التجريبية فالضابطة ، ويمكن تطبيق ذلك في المجموعتين المتكافئين[18].

     

     

     

    خامسا- شروط التجريب الجيد والناجح [19]

    تتمثل أهم شروط  التجريب الناجح فيما يلي  :

    1.    أن تكون الفرضيات أو الفرض المراد إخضاعه للاختبار التجريبي واضحا و محددا و معلوما في ذهن الباحث .

    2.   التطبيق الدقيق للاختبارات التجريبية للفروض.

    3.   ضرورة إخضاع التجربة للملاحظة الدقيقة الموضوعية الإيجابية الفاحصة 

    4.   تأمين احتياجات التجربة من أجهزة القياس والملاحظة الدقيقة ، إضافة إلى توفير الأدوات والوسائط التي تمكن من تقديم أحسن قراءة ممكنة ودقيقة بعيدا عن الارتياب الغير مقبول فنيا أو تقنيا  .

    5.   التأكد من صحة النتائج المتوصل إليها عن طريق تكرار التجربة لعدة مرات مع حرصه على توفير نفس الظروف و ذات المعطيات .

    سادسا : الإشكاليات و الصعوبات التي تعترض تطبيق المنهج التجريبي

     لا يمكن أن نسلم من الناحية المنطقية بخلو المنهج التجريبي من العيب أثناء إعماله  خاصة مع الطبيعة المتغيرة للظواهر و الوقائع و الأحداث أو للأسباب المرتبطة بالجوانب المادية و الفنية أو نتيجة للظروف النفسية التي تتحكم في سلوك العينات المدروسة و تحديد موقفها من الخضوع للدراسة البحثية أو العكس ،  دون إهمال الحالة الشعورية التي يوجد فيها الباحث في حد ذاته .

    و هي الصعوبات التي ترتسم من خلالها نتائج الدراسة بشكل قد يؤدي إلى تحقق نتائج عكسية يدفعنا إلى إنهاءها كما بدأت ، أو تضعنا أمام خيار إعادة صياغة و صناعة العملية البحثية بالشكل الذي يحقق الغرض المرجو من الدراسة  .

    حيث تتلخص هذه الصعوبات و المشكلات فيما يلي :

    ·       الوقوع في الخطأ بسبب صعوبة ضبط و اختبار العينات .

    ·       عدم امتلاك الباحث القدرة على التحكم في الحقائق و الظروف الذاتية للعينات المدروسة أو الخيارات المفحوصة لأسباب مختلفة كالمكانة الاجتماعية مثلا أو الرجعية الدينية أو الإيديولوجية المعتنقة أو الجندرية  .... الح

    ·       الصعوبة في إيجاد مجموعات متكاملة

    ·       صعوبة تطبيق المنهج التجريبي في مجال الدراسات الإنسانية حيث يكون للتجريب أخطاره ومحاذيره كعدم القدرة على إعادة الحال إلى ما كانت عليه في حالة الخطأ في التجريب  ، و أيضا بسبب المتغير النفسي و السلوكي المهيمن على العينة المفحوصة نتيجة مثلا لاستبقاء العينات تحت التجربة لمدة أطول أو في ظروف مناخية غير معتادة أو ضمن وسط غير مألوف .....الخ .

    ·       صعوبة الحصول على الوسائل و الأدوات الفنية القادرة على تحقيق تثبت أفضل بالنتائج سواء بسبب عدم توفرها أو عدم امتلاك الباحث أو الدول إمكانيات اقتناءها و هو ما ينعكس على مساحة الارتياب و الخطأ و يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة و بالنهاية فشل البحث .

    ·       إمكانية وقوع الباحث تحت طائلة التحيز عند قيامه بالدراسة .

    ·       إمكانية تحيز العينة المفحوصة بسبب ميلها لإنهاء التجربة بشكل مستعجل عوض التزامها بالبقاء بعيدة عن التدخل في رسم نتائجها .[20]

     

     

     

    سابعا  تقييم المنهج التجريبي في مجال الدراسات القانونية

    لقد  برهنت النتائج والتقدم المذهل في مختلف مجالات الدراسات الطبيعة و السلوكية للجمادات و علم الكائنات الحية  على سلامة الأخذ بالمنهج التجريبي كونه حقق في زمن وجيز ما عجز عنه المنهج الاستدلالي [21] 

    أما في مجال الدراسات القانونية فقد قدم كثير من الفلاسفة والباحثين في هذا الصدد نماذج واقعية وحقيقية تترجم التمكين الفعلي لتطبيق المنهج التجريبي في الدراسات والبحوث القانونية وفي غيرها من المجالات التي تعنى بدراسة الظواهر و الوقائع ، و التي تشكل حجر الزاوية في صناعة الإجابات القانونية الملائمة للمواضيع العالقة أو تلك التي تنتظر حلولا مبتكرة أو عاجلة و جدية و مركزة بشكل  في الحالات العادية أو الحالات الاستثنائية  .

     فمن خلال قيام الباحث بعملية الملاحظة والقياس  فان تطبيق المنهج سيكون مجديا و منتجا مهما بلغت المشكلات والظواهر حدا من التعقيد ، لأننا نعتقد بعلمية المنهج من باب أولى لذلك فليس من الغريب أن يستوعب علم المنهج التجربة متى أمكن ذلك ، وهو إمكان واسع لا حدود له .

    فمجالات ومواضيع كان ينظر لها سابقا على أنها لا تصلح للتجربة والقياس ، أضحت اليوم مجالات يمكن للمنهج التجريبي اقتحامها بدون أي إشكال يذكر على غرار  علمي الإجرام و العقاب ، حيث اعتنت المدارس الفقهية بإفراد مباحث كثيرة و مساحة هائلة لهذه المواضيع و كل ما يرتبط بها من ظواهر و مستجدات على غرار موضوع فلسفة التجريم و العقاب و جدوى العقوبات و نظم تأهيل الجناة في مختلف الأنظمة العقابية و حجية الإثبات بالوسائل المستحدثة على غرار البصمة الوراثية و نحوها  ...الخ  .

    و قد بينت النتائج الجيدة لتطبيقه في مختلف الدراسات القانونية، التي تلاحظ وتقاس، صواب استخدامه في مجالات البحوث المرتبطة بتجديد العلاقة بين القانون والحياة الاجتماعية، وعلاقة القانون بتقسيم العمل الاجتماعي، والحماية القانونية للعامل في بيئة العمل مثلا و ايضا اهميته في تنقيح الدراسات ذات الصلة بمجال إصلاح نظم السياسة التشريعية و القضائية في الدولة [22].

     ولقد طبقه الفيلسوف دوركهايم بنجاح في دراسته للعلاقة بين القانون و بين الروابط الاجتماعية، و علاقة التأثير والتأثر المتبادل بينهما و ذلك ضمن كتابه "تقسيم العمل الاجتماعي " سنة 1893 م و الذي استخلص من خلاله نتائج عملية باهرة [23] .

            وتوجد أمثلة كثيرة أخرى لتطبيق المنهج التجريبي في المجالات القانونية المختلفة على غرار الدراسات البحثية التي قامت بها بولندا عام 1960 ضمن خطط الإصلاح التي مست نظامها القضائي وقانونها الإجرائي    .

    هي اذن كلها مواضيع ابتكرها اهل الاختصاص القانوني بالاعتماد على المنهج التجريبي مقدمين حلولا مجدية و قيمة لمختلف المعضلات و المشكلات اليومية التي تعترض السير الطبيعي لحياة المجتمعات المعاصرة تحديدا ، لذلك يظل هذا المنهج من أهم المناهج البحثية التي تستحق التعويل عليها و الاهتمام  بتطويرها كلما اقتضى الأمر ذلك [24].

           

    3.المنهج التاريخي

            إن صلة التاريخ كعلم بالمنهج التجريبي كأحد أهم مناهج البحث العلمي وثيقة ، فالتاريخ كعلم يعتبر الأداة الأكثر تفاعلا مع التطورات و التحولات التي ساهمت في رسم مسار الحياة الإنسانية من خلال البحث في الإنسان و مجتمعه و الحوادث البشرية التي مضت و انقضت و تجسدت فيها و معها الذكريات و السير العامة للبشرية في مظاهرها المختلفة .

     أما المنهج التاريخي فانه المنهج الذي يعمل من خلاله الباحث على وصف و تسجيل الوقائع و الأحداث السابقة و الماضية ثم يعمل على تحليلها و تفسيرها بناءا على أسس علمية صارمة ، بقصد الوصول إلى نتائج و تعميمات تساهم في فهم الماضي والحاضر، والتنبؤ بالمستقبل بشكل منظم و موثوق[25].

     وفي دراستنا له سنناقش الصعوبات التي يجابهها تطبيق هذا المنهج ، ثم نحاول الرد على المشككين حول هويته كمنهج علمي يستطيع من خلال الباحث تقديم الأحداث و تفسيرها بشكل علمي لائق و مقبول فلسفيا و علميا  ثم نبين أهميته، والعمليات الأساسية التي يستطيع القيام بها ، لنصل إلى تطبيقاته العملية  و بخاصة في العلوم السلوكية ، مع بيان موقف القانون منها.

    المنهج التاريخي " الرد "

            تتميز الظاهرة التاريخية بجملة من الخصائص، تشكل مجتمعة أو منفردة عقبات قد تحول دون إخضاعها الصحيح للمنهج العلمي، وهي تقريبا العقبات الموجودة أيضا في مختلف العلوم الإنسانية بصورة عامة. ولكن بفوارق متباينة،  نتيجة للخصائص المميزة لكل علم سلوكي عن الآخر ، حيث تستمد هذه العوائق و العقبات وجودها من التعارض القائم بين الحرية و الحتمية .

     فالسلوك الإنساني متأثر بالعقل والحرية والإرادة، وأما الحادثة التاريخية، فهي بالإضافة إلى كونها إنسانية فإنها حادثة اجتماعية فريدة  ذات معنى أو دلالة، ثم أنها لا يمكن أن تخضع للملاحظة المباشرة لانقضائها زمنيا و انطماس بعض معالمها أو كلها ماديا، وهي من حيث هي كخبر معرضة لكذب الرواة ، وتزييف الوثائق و الآثار و كل أشكال المعالم المرتبطة بها .

    لذلك يجب على المنهج التاريخي و هو بصدد دراسة الظاهرة ، أن يتغلب على هذه العقبات والصعوبات، ليتمكن من بلوغ الكليات-مطلب العلم- من دراسته للحوادث الفريدة، وذلك بإثبات صحتها والكشف عن الروابط السببية بينها ، وأما بخصوص عدم إمكان إجراء الملاحظة والتجربة على الحادثة التاريخية مباشرة، فان على المنهج التغلب على ذلك بالملاحظة غير المباشرة، وبالتجريب على ما بقي من هذه الحوادث من وثائق وآثار، وبمحاولة العيش في الماضي الافتراضي و استرداد الوقائع إلى الحد المعقول و الموثوق علميا .

     من هنا تظهر الأهمية العملية للمنهج التاريخي كأداة تقدم المعرفة و العلم بشكل تاريخي استردادي يهدف من خلاله الباحث  إلى الوصول إلى وضع التعميمات أو القوانين التي تفيد في الحاضر أو التنبؤ و الاستشراف المستقبلي ، و أيضا تحقيق الأهداف التالية :

    أ ـــــــ أهداف إعمال المنهج التاريخي

    1.   التأكد من صحة الأحداث السابقة باستعمال الدليل العلمي .

    2.   الكشف عن أسباب الحادثة ، و دراستها ضمن إطارها الزمني و المكاني و المجتمعي و الظروف المحيطة بها .

    3.   الكشف عن المعنى الحقيقي للحادثة أو الوقائع التاريخية  .[26]

    ب- أهمية المنهج التاريخي

    تظهر أهمية المنهج التاريخي في العلوم القانونية من خلال العناصر التالية :

    1-             اتساع مجالات استخدامه ، فهو لا يقتصر على دراسة التاريخ من خلال التعرض  للأحداث و الوقائع التاريخية بشكل سردي أو أدبي فحسب ، وإنما يستخدم في العلوم الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية وغيرها مادام الغاية والهدف من الدراسة هو التعرف على تاريخ ارتبط بحياة الإنسان ضمن ظروف انتهت وانقضت بلا رجعة و لو تم العمل على نقلها إلى المجتمعات المعاصرة بكافة الوسائل المتاحة .  

    2-             يستخدم هذا المنهج في التعرف على أدبيات البحث و الدراسات السابقة و مواقف الباحثين منها و الإضافات المقدمة بشأنها   .

    3-             يسمح بإجراء المقارنات بين المراحل المختلفة من مراحل تطور الظاهرة المدروسة .

    4-             يتيح هذا المنهج معرفة تطورات المشكلات و التعرف ابيضا على موقف المجتمعات و الدراسات السابقة منها من خلال التعرف على ايجابياتها و سلبياتها .

    5-             يقدم الذاكرة الجماعية بصورة تتلاءم و احتياجات الأجيال و المجتمعات .[27]

    ج- أهم المراحل المتبعة في مجال البحث التاريخي

            هناك عدة خطوات تعتبر ضرورية عند الاعتماد على المنهج التاريخي في العلوم القانونية و هي تقريبا نفسها المعتمدة في إطار البحث العلمي بشكل عام  ، وتتمثل هذه الخطوات في :

    1-             اختيار موضوع البحث و تحديده .

    2-             جمع البيانات و المعلومات .

    3-             نقد المادة التاريخية التي تم جمعها .

    4-             صياغة الفروض و تحقيقها .

    5-             استخلاص النتائج  و كتابة التقرير النهائي للبحث .

    1 اختيار موضوع البحث:

            يتم اختيار موضوع البحث التاريخي على ضوء المعايير المعتمدة في اختيار البحوث ، مع الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد و الظروف و المتغيرات التي صاحبت وقوع الأحداث سيما :

    -       تحديد نوع النشاط الذي تضمنه الحدث التاريخي و الوقائع التي تناولها  .

    -       مكان وقوع الأحداث المطلوب دراستها و سبب وقوعها .

    -       المعرفة بالأشخاص الذين دارت حولهم الأحداث، أو اتصلوا بها .[28]

    2.جمع البيانات والمعلومات :

            ويقصد بهذا جمع كل ما له علاقة بالحدث موضوع الدراسة من مصادره الأولية أو الثانوية و يستوي في ذلك أن تكون هذه المصادر مباشرة ترتبط بالواقعة بشكل مباشر كالوثائق و المخطوطات و الآثار و السجلات و المدونات و المذكرات و الرسائل و الصور و الأساطير و الحكايات ... الخ و غيرها من الشواهد التاريخية الناقلة لحضارة انتهت أو لأحداث لا تزال محل استكشاف ميداني ، بالإضافة إلى المعلومات الغير مباشرة و المستقاة من المصادر الثانوية على غرار كل ما كتب أو نقل عن المصادر الأولية  .

    3. نقد مصادر المعلومات :

     تخضع مصادر المعلومات إلى عملية النقد الخارجي و الداخلي من اجل التأكد من صحتها ، و هي عمليات النقد التي سنحاول بيانها على النحو الآتي :    

    1.   النقد الخارجي لمصادر المعلومات :

            يهدف النقد الخارجي للمعلومات إلى التحقق من صحة الوثائق أو الأثر و من صدقها ،  عن طريق البحث في عناصرها الشكلية و الموضوعية كالتحقق من اطارها الزمني و المكاني و الأشخاص الذين عاصروا الوقائع أو نقلوها و من ثم التساؤل عن دوافع ومبررات نشأتها و قيمتها الدلالية من حيث كونها أصلية أم مقلدة ام مستنسخة أم مصطنعة أم مزورة و غير مطابقة للوقائع و الأحداث .[29]

     و النقد على هذا النحو نوعان  :

             أ-نقد الاستعادة و التصحيح.       ب- نقد المصدر

    أ‌-                نقد الاستعادة و التصحيح:

            يهدف نقد التـــــصحيح إلى التأكد من صحة الوثيقة الخاصة بحادثة أو واقعة معينة أو أكثر، من أجل تحديد مدى صحة المعلومات التي تتضمنها ، و مدى حقيقة نسبتها إلى أصحابها .

     حيث يلجأ الباحث هنا إلى فحص الوثيقة بكافة الوسائل الممكنة بما فيها الفنية و التقنية ، وذلك نظرا لما قد تتعرض له من تزييف و تزوير أو تحريف للمعلومات و المعطيات و البيانات عن طريق الإضافة فيها أو الانتقاص منها ، و لا يهم بعدها الدافع أو الباعث سواء كان الفعل مقصودا و متعمدا أو لأسباب غير مقصودة كالحالة التي يمكن ردها إلى الأخطاء التي تصاحب التعامل اليدوي أو التقني مع الوثيقة أو بسبب الظروف المناخية مثلا أو البيئة المحيطة  .

    فالوثيقة التاريخية قد تكون بخط يد المؤلف نفسه كما قد تكون مكتوبة بخط يد الغير ، لذلك يكون من واجب الباحث العمل على إثبات صحة نسبتها لصاحبها  أثناء قيامه بنقل محتواها إلى الجمهور ، بالإضافة إلى هذا كله فان الباحث قد يعيش حالة التأكد من صحة الوثيقة من خلال التنقل إلى أماكن عدة قصد الحصول على أصول أو نسخ  منها لمقارنتها فيما بينها   من أجل تحديد أصليها من المقلد أو المزور .

     

            ب-نقد المصدر

    المقصود من هذا النوع من النقد ، هو معرفة صحة الوثيقة من خلال تحديد مصدرها و معرفة مؤلفها، و تاريخ كتابتها ، للتأكد من نسبتها لصاحبها .

    هذا و تخضع عملية التحقق من صحة المصدر إلى ضوابط إجرائية و موضوعية متعددة نذكر منها :

    1-             التحليل المادي و المخبري للوثيقة ، و ذلك من خلال استخدام التحليل الفني والتقني الذي يعتمد على الآلات أو الكواشف المختلفة على غرار الفحم المشع 14، بالنسبة للوثيقة الكربوهيدراتية و الماسحات التي تعمل بالأشعة الحمراء و الأشعة ما فوق البنفسجية ...الخ .[30]

    2-             دراسة   الخطوط و الأحرف و الرموز الموجودة في الوثائق و مضاهاتها بغيرها إن اقتضت الضرورة ذلك. .

    3-             التأكد من صحة الوقائع الواردة ذكرها في الوثيقة ، ومقارنتها بالأحداث المنسوبة إليها .

    4-             معرفة  مصدر  الوثيقة .

    5-             تفحص الاقتباسات و الأمانة العلمية .

     

    2.   النقد الداخلي:

            ويقصد به النقد الذي يقوم به الباحث للتحقق من صدق محتوى الأشياء الموجودة في الوثيقة ، و من ثم العمل على تقديم الإجابات المتعلقة بصحة مضمونها و المقاصد التي انصرف إليها صاحبها و هل أن المعاني الظاهرة و الملاحظة و المقروءة حرفيا من الوثيقة تعبر حقا عن الإرادة و القصد الحقيقي لصاحبها ؟[31]

    -      هذا وينقسم النقد الداخلي إلى قسمين هما: النقد الداخلي الإيجابي، والنقد الداخلي السلبي .

    أ‌.       النقد الداخلي الإيجابي:

        ويهدف إلى تحديد المعنى الحقيقي للنص من خلال الاطلاع على المدلول الحرفي له دون إضافة أو نقصان   .

    ب‌. النقد الداخلي السلبي:

        يهدف النقد الداخلي السلبي إلى معرفة مدى الصدق ، أو الخطأ، أو التحريف، أو التزييف، الذي تعرضت له الوثيقة من خلال التأكد من أمانة و صدق  الكاتب أو صاخب الوثيقة أو مترجمها ، و التعرف على تجاربه و التساؤل عن حقيقة تواجده ضمن الإطار الزمني والمكاني للوقائع بالاطلاع على تاريخ ميلاده ووفاته و التحري أيضا حول حالته النفسية و العقلية و المرجعية و الإيديولوجية التي كان يعتنقها قبل و أثناء و بعد إصداره للوثيقة  ,

    4- صياغة الفروض وتحقيقها :

    إن الفرض في البحث التاريخي يبدأ على هيئة تصور ذهني عام ينطلق منه الباحث فيعمل على تجميع البيانات الملائمة التي يحتمل أن تزيد ذلك التصور جلاء ووضوحا ، وكما يقول الفقيه دالين " من شأن الفرض أن يساعد المؤرخ في تحديد المادة العلمية اللازمة لدراسته واستبعاد تلك التي لا تهمه " .[32]

     بل انه من واجب الباحث بعد صياغته لفرضياته أن يكرس جهده في جمع الأدلة بعناية و يعمل على تحليلها نقديا كي يتحقق من أن فرضه يعطي تفسيرا أكثر إقناعا من الفروض الأخرى .

    هذا و لا يكاد يختلف الفرض في المنهج التاريخي عن الفرض في أي منهج آخر ، مع ضرورة احترام طابع الخصوصية بالنسبة للبحوث التي يفترض المنهج فيها اتباع نظرية معينة في التحقق من الفرض ، لأنه في هذه الحالة سيكون التحقق بهذا الشكل جزءا مهما في الدراسة تندرج تحته كل الوقائع بشكل مؤثر ومنتج في الدراسة .

    5 _ التركيب التاريخي :  و هو النتاج الكلي للدراسة ، وفيه يتم ما يلي:

    أ‌-                 ترتيب الـحوادث، وذلك بانتقاء الحوادث الهامة كالتي تشكل انعطافا في سير الحوادث ، أو تساعد على تفسير الحوادث اللاحقة، مثلا تجديد موقف المجتمعات من عقوبة الإعدام .

    ب‌-           تنسيق الحوادث بحيث تتكامل فيما بينها ، و تشكل وحدة واحدة غير قابلة للانفصال و التجزئة ..

        ج-    العمل على تدارك الفراغات الزمنية و التاريخية التي تفصل بين الحوادث و الوقائع و التي لم تتعرض لها الوثائق التاريخية مثلا  كتلك الأحداث المبهمة والغير معروفة  .

        د-     شرح الحوادث وتفسيرها، بأدوات التفسير التاريخية مع الالتزام  بتعليلها.   .[33]

    5 ــــــــ استخلاص النتائج  و كتابة التقرير النهائي للبحث :

    بعد انتهاء المؤرخ أو الباحث من جمع معلوماته و نقدها و فحصها و تحليلها و من صياغة الفروض المختلفة لتفسير الحوادث والظواهر التاريخية التي يدرسها و من تحقيق و اختبار كل فرض من فروض التي قدمها فان عليه ان ينتقل إلى المرحلة النهائية من بحثه و هي مرحلة استخلاص النتائج و كتابة تقرير بحثه الذي يلخص فيه الحقائق و النتائج التي توصل إليها في أسلوب علمي بعيد عن المبالغات و الخيال الرومانتيكي و المحسنات البديعية المبالغ فيها .[34]

     

    تقييم المنهج التاريخي في العلوم القانونية

     يعتقد البعض أن الدراسات التاريخية التي تستخدم المنهج التاريخي في البحث ليست دراسات علمية و ذلك لعدم خضوعها للتجريب و عدم القدرة على ضبط العوامل المؤثرة و تثبيتها أو عزلها كما هو الحال في المنهج التجريبي مثلا ، بينما يرى اتجاه فقهي آخر بأن إخضاع المادة التاريخية للنقد الداخلي و الخارجي يوفر قدرا من الدقة و الموضوعية يرقى بالمنهج التاريخي إلى مستوى الأسلوب العلمي .

    إلا أن النظر إلى المنهج التاريخي كأسلوب علمي لا يمنع من تعرضه للنقد للأسباب التالية :

    ·       المعرفة التاريخية معرفة جزئية بطبيعتها حيث لا يمكن الحصول على معرفة كاملة بالماضي و ذلك بسبب قلة مصادره و إمكانية تعرضها للتلف و التزوير .

          حيث  كما يقول الفقيه دالين :" إن من شهدوا الماضي لا يتذكرون سوى جزءا منه و لم يسجلوا سوى جزءا مما تذكروا و ضاع جزء مما سجلوا و اكتشف الباحثون صحة جزء مما هو مسجل و فهموا جزءا من التسجيل الصحيح و نقلوا جزءا مما فهموا و بذلك تبقى المعرفة التاريخية معرفة جزئية " .

    ·       يعيش الباحثون الذين يستخدمون الأسلوب التاريخي صعوبات جمة تتمثل في صعوبة حصر الإطار الزمني لبعض الإحداث بشكل دقيق و صعوبة إخضاعها للتجربة و صياغة الفروض المتعلقة بها و صعوبات التنبؤ بالمستقبل .

    ·       إن عدم خضوع المادة التاريخية للتجريب يصعب من إثبات صحة الفرضيات المتعلقة بها  ويجعل من تحقيقها تجريبيا امرأ صعبا قد تعتريه الأخطاء التقديرية ، فالمصادر التاريخية ليست على مستوى واحد من الصحة و الدقة و المصداقية  .

    ·       يصعب على الباحث في الأبحاث التاريخية الوصول إلى نتائج تصلح للتعميم و ذلك لارتباط الظاهرة التاريخية بظروف زمنية و مكانية محددة و معينة بذاتها حيث يصعب تكرارها بنفس تفاصيلها التي نشأت في ظلها  .

    تطبيقات المنهج التاريخي في الدراسات القانونية:

            يساهم المنهج التاريخي في مجال البحوث القانونية برسم ملامح المسار العلمي و الموقف الفلسفي و الإنساني من الأحداث و الظواهر المختلفة ، كما انه يوضح بدقة التطور التراكمي لتلك الأحداث و الحقائق التاريخية و مدى تأثيرها على تأسيس  المدارس الفقهية و تطور الأفكار و الآراء  الفلسفية و النظريات القانونية المرتبطة بها و التي انعكست على تطوير نظم التشريع منذ بداية الحضارات الإنسانية  و عملت على مقارنتها فيما بينها لتدارك أخطاء الماضي و تقديم حلول تتلاءم وتطلعات المجتمعات البشرية في نهاية المطاف .

    أهم الإشكاليات التي تعترض تطبيق المنهج التجريبي في العلوم القانونية

      بالرجوع إلى تعداد الأسباب التي تعترض مجال تطبيق المنهج التاريخي بشكل عام ضمن مختلف المواضع العلمية ، فانه من المنطقي القول بعدم إمكانية تصور إعماله بشكل منفرد أو مستقل عن غيره من المناهج الأخرى  في المجال القانوني ، خاصة في التخصصات التي تحتاج إلى توصيف دقيق للظواهر  .

     

    لذلك و من اجل بلوغ هذا المرام لا بد من اعتماد هذا المنهج بشكل مشترك إلى جانب المناهج الأخرى من اجل تقديم حلول أفضل و تفسير حقيقي و واقعي  للظواهر و الأحداث .


     

  • تمرين تقييمي لقماربات الكفاءات بين الطلبة

    الهدف من التمرين هو الاقتراب بشكل عملي من الطالب و محاولة اشراكه في عملية المناقشة و التعرف اكثر على المحاضرة الموسومة باعمال المنهج التجريبي في العلوم القانونية و تمكينه من تحسين ملكاته المعلرفية فيما يتعلق بالتحليل و التركيب و الاستنتاج و الفهم الصحيح لأثر المنهج في تغيير المجتمعات البشرية عيانا و بشكل ملموس .

  • تسجيل صوتي لمحاضرة تمهيد و تعريف بالسياق العام للمادة


  • Section 9