
تُعدّ المؤسسات العقابية والإصلاحية إحدى أهم البنى الاجتماعية التي تجسّد في آن واحد سلطة المجتمع ونظامه القيمي وآليات ضبطه للسلوك المنحرف. ومع التحولات العميقة التي عرفتها المجتمعات الحديثة، لم يعد السجن مجرد فضاء لتنفيذ العقوبة، بل أصبح منظومة اجتماعية وثقافية وتنظيمية معقّدة تستدعي دراسة علمية دقيقة تكشف عن وظائفها الظاهرة والخفية، وعن ديناميات التفاعل بين مختلف الفاعلين داخلها. ومن هنا برزت الحاجة إلى مقاربة سوسيولوجية تُعيد فهم السجن بوصفه "مجتمعًا داخل المجتمع"، له قوانينه الرسمية، وقواعده غير الرسمية، وشبكاته الاجتماعية، وبناه الرمزية، ومختلف أشكال السلطة التي تُمارَس في داخله.
إنّ الدراسة السوسيولوجية للمؤسسات العقابية لا تنطلق من الأحكام المعيارية حول الجريمة والعقاب، بل من تحليل موضوعي يرصد العوامل البنيوية والتفاعلية والثقافية التي تشكّل التجربة السجنية. فهي تدرس السجن كفضاء يُعاد فيه إنتاج علاقات القوة، وتُنتَج فيه هويات جديدة، وتتكون داخله ثقافة خاصة تتجاوز في الكثير من الأحيان الأطر القانونية الرسمية. كما تهدف المقاربة السوسيولوجية إلى فهم مدى قدرة هذه المؤسسات على تحقيق أهدافها المعلنة، مثل الردع والإصلاح وإعادة الإدماج، ومساءلة مدى مساهمتها الفعلية في الحد من العود إلى الجريمة.
وفي هذا السياق، يشكّل التحليل السوسيولوجي للمؤسسات العقابية أداة علمية لفهم علاقة المجتمع بالعقاب، ورصد التحولات في فلسفة السجن، وتقييم السياسات العقابية، والكشف عن التناقضات التي تعيشها هذه المؤسسات بين منطق الضبط والسيطرة من جهة، ومنطق التأهيل والإصلاح من جهة أخرى. وبذلك تصبح دراسة السجن من منظور سوسيولوجي خطوة أساسية لفهم ملامح النظام الاجتماعي وتوازناته، وإعادة التفكير في دور العقوبة ضمن مشروع العدالة الجنائية الحديثة.
- Trainer/in: BERANI KELTOUM